ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
360
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
أما ترى قوله تعالى : وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً [ النبأ : 40 ] فإنها في مشاهدة ثبوتية حالية خالية عن الأغيار ملتذة بالتذاذ ثبوتي ، فافهم . بل الافتقار من الجانبين من حيث المرتبتين ؛ إنما هو من حيث الأثر ، فإنه ثبت بالذوق الصحيح والكشف التام الصريح أنه لا يؤثر مؤثّر كان حتى يتأثر فأول ما يظهر حكم الانفعال في الفاعل ثم يسري منه إلى من يكون محلا لأثرة ، ذكره الشيخ صدر الدين القنوي في شرحه على الفاتحة . وهكذا نجد في التجربة ، فإنه إذا ورد الغذاء على المعدة فيؤثّر فيها أو لا ، فإذا تأثّر وانهضم أثّر في المعدة بالتبريد أو بالتسخين ، والتغذية والتنمية ؛ بل هكذا الشاهد في المحسوسات كالسراج والدهن فإن أوله يطغى النار وآخره يشعل ، فهذا عين ما قلناه من الأثر : أن المختلفات فيهما فكل واحد مؤثر ومتأثر ، فافهم . هكذا في معنى البيت فالكل مفتقر ما ، والكل مستغن بالاعتبارات التي ذكرنا . ما هذا سر الأمر من حيث الانفعال ، وأمّا سر الأمر من حيث الاحتياج فهذا اندراج العبودة في السيادة ، فإن العبودة : عبارة عن نسبة جامعة عن نسبتيّ الفقر « 1 » والانفعال ، والمتضايفان : أي العبد والسيد ، كما توقف معرفة كل واحد منها وظهوره على الآخر ، علم أنه لا غني لأحدهما عن الآخر . ويشير إلى هذا الذوق كلام سيدنا علي رضي اللّه عنه ونهج البلاغة حيث قال فيه : فلو أن الباطل فيه خلص من مزاج الحق لم يخف على المرتادين ، ولو أن الحق خلص من لبس الباطل انقطعت عنه السنة المعاندين ، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان ، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه وينجو الذين سبقت لهم من اللّه
--> ( 1 ) قال سيدي محمد وفا رضي اللّه عنه وعنّا به : الفقر هو تجريد الياء التي هي ضمير المتكلم عن الإضافة لها مطلقا ، وحقيقته : قطع أسباب العلائق وجسم مادة تصور الملك ، وغايته : رجوع الحقيقة الإنسانية إلى مفهومها الذاتي لها ، وهو السلوك الذي لا يصدق عليه مرتبة حقيقية لذاته ، فهي حقيقة وجودها وجود ما حصل فيها ا ه .